الشيخ محمد السند

193

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

التيّار لرواة المعارف والمقامات الغيبيّة لأهل البيت عليهم السلام والذي يقوم بانتزاع هذه المعارف من حقائق المعاني القرآنية أو دراية النصوص النبويّة ، فإنّ هذا الطرح المعرفي يصعب مواجهته ولا يمكن ادّعائه في شأن غير أهل البيت عليهم السلام من مناوئيهم وخصومهم وبني أميّة وبني العباس . فإنّ هذا النمط من البيان والخطاب والدلائل لحقّ أهل البيت عليهم السلام يسعّر قوّة المواجهة ويعرّى عن حقيقة الطرف الآخر وظلمه واستبداده واستئثاره بدرجة تضيّع عليه الفرصة في القدرة على المواجهة ، وهذا مما كان يتطلّب تحرّكاً سريعاً من السلطات الأمويّة والعباسية لمحاصرة تولّد تلك التيّارات والإجهاز عليها في مهد بيئاتها . ومن ثمّ لم يكتفوا بالتكفير والطعن عليهم بالغلوّ بل بادروا بعد تشهيرهم بهذا الطعن إلى المواجهة الأمنيّة والعسكرية ، كما حصل مع المغيرة بن سعيد وزملائه ومع أبي الخطّاب وجماعته وغيرهم من هذه الجماعات . بل استطاع مدّ السلطة أن يشيّع الساحة ضدّ هؤلاء فكريّاً بتوسّط هذا الطعن بأنه تأليه والقول بالربوبية لأهل البيت عليهم السلام . وهذا النمط من أسلوب المواجهة لم يكن جديداً بل قد رُفع شعاره من قبل المستولين على الخلافة والحكم منذ أوّل يوم وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث رفع شعار « من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات ومن كان يعبد اللَّه فإنّ اللَّه حيّ لا يموت » « 1 » فيتضمّن هذا الشعار أنّ هذا الولاء لسيد الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم إفراط وعبودية وغلوّ في شخصيّته صلى الله عليه وآله وسلم وتأليه له . وكذا قالها الثاني مخاطباً سلمان : « أليس قد أزالها اللَّه عن أهل البيت الذين اتّخذتموهم أرباباً من دون اللَّه » « 2 » .

--> ( 1 ) . شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد 1 : 177 و 2 / 40 و 13 / 35 ، وبحار الأنوار 30 / 590 . ( 2 ) . بحار الأنوار 28 / 278 .